by منصة عقول

يوميات معلمة (٢).. في فصل المشاغبات

يقول الكاتب الأيرلندي الشهير “سي. إس لويس”: «مهمة المعلم أن يزرع الصحراء ، لا أن يقتلع الحشائش الضارة من الحقول».

من تلك المقولة الخالدة نتجاوز حدود مهنة المعلم الضيقة المتمثلة في الشرح والتلقين وننطلق بها إلى الرحابة والسعة حيث نراه مربياً ومعلماً وقدوةً حسنةً لأبنائه.
ومن وحي هذه الكلمات أنطلق لأحكي أحد المواقف التي أثرت في خلال عملي كمعلمة وتركت أثراً في نفوس طلابي.

 

ذات يوم جاء مشرف الدور بدفتر الإحتياطي لأوقع على حصة لأحد فصول البنات بالمرحلة الإعدادية، وأخبرني أن كل المعلمين طلبوا استبدال ذلك الفصل تحديدا بآخر لسوء تعامل البنات فيه مع المعلمين!
قلت له: أنا سأدخل لهن.
قال: ولكن رجاء كوني حازمة معهن حتى لا يُسببن لكِ التعب.
قلت: لا تقلق فأنا أجيد التعامل مع هؤلاء الطلاب وجميعهم أبنائي.

 

دخلت الحصة وألقيت السلام وكن جميعاً بناتي ومن طلابي في السابق.
بمجرد دخولي تذكرت حديث رسول الله -ﷺ- لمعاذ بن جبل، حيث يذكر عن مُعَاذٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ، أَخَذَ بِيَدِهِ وَقالَ: “يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعاذُ لاَ تَدَعنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك”.

انتهبت إلى أن الرسول ﷺ بدأ حديثه بذكر “معاذ” باسمه كنوع من التقدير والقرب، ثم أخبره بأنه يحبه ليؤلف قلبه ويبعث فيه المحبة والأمان، وبعد ذلك أخذ ينصحه في رفق.

لذا بدأت أوجه حديثي إلى كل واحدة منهن بعد أن أناديها باسمها فتعرف أني لا زلت أتذكرها رغم مرور السنوات، وأتحدث عنها وكيف أنها كانت تلميذة جميلة ومجتهدة وكنت أحبها كثيراً .. وبدأن يتحدثن معي وأنهن يحبنني كثيراً ويسعدن بوجودي معهن في الحصة.

 

يوميات معلمة - البنات المشاغبات
بعد جرعة الحب الدافئة تلك بدأت أتحدث عن تلك الرابطة العظيمة التي تربط بينهن وهي الصداقة، ومن تلك النقطة تطرقت للحديث عن تأثير الصديق على صديقه، وكيف أنه من الممكن أن يكون سبباً لسعادة صديقه في الدنيا وفوزه في الآخرة، أو يكون سبباً لهلاكه في الدنيا وخذلانه في الآخرة.
كنت أتحدث وجميعهن يستمعن في إنصات كامل، والحديث يأخذني لأحكي مواقف حدثت لي شخصياً مع الأصدقاء وأنا في مثل سنهن، وكيف أن بعضها أثر في إيجابا أو سلبا، وكيف أن الصديق هو مرأة صديقه فلو رأيت صديقك صالحاً سأعتبرك مثله، وإن كان فاسداً فأنت صورة آخرى منه.

 

وبينما أنا منهمكة في الحديث وجدت إحداهن تبكي في صمت.
وآخرى تقول لي: يا ميس أنا بعتذر على ما كنت أفعله.
وقفت الثالثة وقالت: هو احنا وحشين يا ميس؟!
رددت بسرعة: أنتن أجمل بنات ولكن الطيبة وقلة الخبرة تجعل بعضكن يخطأ دون قصد أو لسوء فهم، الفكرة أن تحاول كل واحدة منكن أن تأخذ بيد أختها لطريق الخير والصلاح.

 

شعرت في تلك اللحظة أن كل منا بداخله الخير والشر وأيما غلب بداخله فهو الغالب على ظاهره، ولا يمكن الحكم على أحد بالسوء المطلق ولكن واجبنا الديني والأخلاقي أن نبحث عن الخير بداخله ونزيل عنه التراب ليبدو براقاً رائعاً وأجمل مما نتخيل.

 

بعد حديث مطول معهن قرأت الأية الكريمة «وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًا ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا». (الفرقان: ٢٧، ٢٨، ٢٩)

وواصلت شرح الأيات حتى دق جرس الحصة وخرجت من الفصل ولكن من المؤكد أن وقع الكلام لم يخرج من أذهانهن، فالمعلم هو المربي والقدوة لأبنائه وواجبه المهني والأخلاقي أن يوجههم دائما للصواب ولكن اختيار الأسلوب الأمثل هو الأهم في ذلك، ولا أسلوب أمثل ولا أجمل مما فعله رسولنا ﷺ في موقفه مع معاذ والذي اتخذته قدوة لي وسرت على ذات الطريق.

 

إقرأ أيضًا:

يوميات معلمة (١): عندما يأخذ الطالب شيئًا ليس من حقه.. ماذا أفعل؟

يوميات معلمة (3) “المعلم وعين الرحمة”

اترك تعليقاً